في الوقت الذي أصبحت فيه معظم الأنشطة اليومية مرتبطة بالشاشات، من العمل والتعلم إلى الترفيه والتواصل، يظهر اتجاه موازٍ لدى بعض الأشخاص للعودة إلى هوايات تبدو "قديمة" مقارنة بالعالم الرقمي؛ القراءة الورقية، والرسم، والخياطة، والزراعة المنزلية، والمشي، والألعاب الجماعية، والكتابة اليدوية، والأعمال الحرفية، وحتى تجميع القطع أو الطهي من أجل المتعة لا الضرورة. هذه العودة لا تعني رفض التقنية أو الحنين البسيط إلى الماضي، بل يمكن فهمها كبحث عن نوع مختلف من الانتباه؛ نشاط له بداية ونهاية واضحة، وتستخدم فيه اليد والجسم والحواس، ولا يطلب من الشخص الانتقال كل ثوانٍ إلى موضوع أو إشعار جديد.
وتأتي هذه الرغبة في سياق رقمي شديد الكثافة في السعودية؛ هيئة الاتصالات والفضاء والتقنية تشير إلى أن 61.3% من المستخدمين يقضون سبع ساعات أو أكثر يوميًا على الإنترنت، بينما تظهر دراسة Deloitte لعام 2026 بروز مستهلك سعودي أكثر وعيًا بقضايا الرفاه الرقمي وتأثير المنصات، مع ارتفاع الاهتمام بالسلامة والتوازن في البيئة الرقمية. لذلك لا تبدو العودة إلى الهوايات غير الرقمية خروجًا غريبًا عن العصر، بل محاولة لدى بعض الأفراد لإعادة التوازن إلى يوم أصبحت فيه الشاشة موجودة تقريبًا في كل سياق.

الهواية غير الرقمية تمنح العقل نوعًا مختلفًا من التركيز
عند تصفح السوشيال ينتقل الانتباه بين موضوعات كثيرة بسرعة، بينما نشاط مثل الرسم أو الحياكة أو الطبخ يحتاج إلى البقاء داخل سلسلة واحدة من الخطوات لفترة أطول. هذا الاختلاف يجعل الهواية مساحة يمكن أن يتدرب فيها الشخص على الاستمرار في نشاط واحد من دون انتظار محتوى جديد كل لحظة. ليس الهدف أن تكون الهواية "علاجًا" أو وصفة مضمونة لتحسين التركيز، بل أنها توفر بيئة مختلفة جذريًا عن Feed الذي لا ينتهي.
حتى النشاط البسيط مثل تركيب Puzzle أو الاعتناء بنبات يحتاج إلى ملاحظة وتكرار وصبر، وهي صفات لا يكون الهدف منها السرعة. كثير من الناس يجدون قيمة في هذه البطء المقصود لأن معظم حياتهم المهنية والرقمية تدفعهم إلى إنجاز أكبر عدد من الأشياء في أقل وقت ممكن، بينما الهواية تسمح بفعل شيء لمجرد الاستمتاع بالعملية.
استخدام اليدين يعطي إحساسًا واضحًا بالإنجاز
جزء كبير من العمل الرقمي ينتج أشياء غير ملموسة؛ رسالة، ملف، اجتماع، جدول، أو منشور يختفي سريعًا بين عشرات العناصر. أما الحرفة أو الرسم أو الزراعة أو الطبخ فتترك نتيجة يستطيع الشخص رؤيتها أو لمسها، وهذا يمنح النشاط إحساسًا مختلفًا بالاكتمال. القطعة لم تكن موجودة ثم أصبحت موجودة لأنك عملت عليها، وهذه العلاقة المباشرة بين الجهد والنتيجة يمكن أن تجعل الهواية مرضية حتى إذا كانت بعيدة عن مستوى الاحتراف.
لهذا نجد بعض الأشخاص ينجذبون إلى النجارة البسيطة أو صناعة الفخار أو التطريز أو الرسم رغم أن بإمكانهم شراء منتج جاهز بسهولة؛ القيمة ليست فقط في الشيء النهائي، بل في فعل الصنع نفسه. التكنولوجيا ممتازة في إزالة الجهد من المهام الضرورية، لكن الهواية أحيانًا تكون ممتعة لأن فيها جهدًا نختاره نحن.
الهوايات تمنح وقت الفراغ هوية غير مرتبطة بالاستهلاك
عندما لا يكون لدينا نشاط محدد، يصبح أسهل خيار هو فتح الهاتف ومشاهدة ما يقدمه الآخرون. وهكذا يتحول وقت الفراغ إلى وقت استهلاك: نشاهد، نقرأ، نتصفح، وننتقل، لكننا لا نفعل شيئًا نختاره مسبقًا. وجود هواية يغير هذا؛ يصبح لدى الشخص نشاط يمكن أن يتجه إليه عندما ينتهي العمل بدل أن تكون الشاشة هي الاختيار الافتراضي دائمًا.
هذه النقطة مهمة لأن محاولة "تقليل الهاتف" دون إيجاد بديل يمكن أن تترك فراغًا يعيد الشخص سريعًا إلى العادة نفسها. أما عندما يكون هناك كتاب ينتظر، أو مشروع رسم، أو تمرين، أو وصفة جديدة، يصبح تقليل الاستخدام نتيجة طبيعية لوجود منافس حقيقي على وقت الفراغ بدل أن يكون مجرد منع.
القراءة الورقية عادت بالنسبة لبعض الناس كاختيار مقصود
الكتاب الورقي لا يحتوي إشعارات ولا روابط ولا تطبيقًا آخر على الشاشة نفسها، ولذلك يخلق بيئة قراءة أبسط لمن يجد الهاتف مشتتًا. هذا لا يعني أن الكتاب الإلكتروني أقل قيمة، لكن الجهاز متعدد الوظائف يحمل دائمًا إمكانية الانتقال من النص إلى الرسائل أو السوشيال، بينما الورق يحصر التجربة في نشاط واحد.
كما أن طقس القراءة نفسه يمكن أن يصبح جزءًا من الهواية؛ مكان محدد، كوب قهوة، وقت قبل النوم، أو زيارة مكتبة. هذه التفاصيل تحول القراءة من مهمة معرفية إلى نشاط له سياق ممتع، وهو ما يساعد بعض الأشخاص على العودة إليها بعد سنوات من الاعتماد على المحتوى القصير.
الألعاب الجماعية تعيد جانبًا اجتماعيًا افتقدته بعض الأنشطة الرقمية
الألعاب اللوحية والورق والأنشطة الجماعية لا تمنع استخدام التقنية، لكنها تجعل التفاعل الأساسي بين الأشخاص الموجودين في المكان نفسه. هناك حديث ورد فعل ومنافسة وضحك ومواقف لا يمكن التنبؤ بها بالكامل، وهو نوع مختلف عن اللعب أو التواصل عبر الشاشة. لهذا قد تعود بعض الأسر والأصدقاء إلى هذه الأنشطة باعتبارها وسيلة لقضاء الوقت معًا دون أن يكون كل شخص منشغلًا بجهازه.
القيمة ليست في اللعبة نفسها بقدر ما هي في أنها تمنح المجموعة نشاطًا مشتركًا؛ بدل محاولة الحديث بينما الجميع يفتح الهواتف، يصبح هناك شيء يحدث في المنتصف ويجذب الانتباه من الجميع. ومن هنا يمكن فهم شعبية بعض الهوايات الجماعية القديمة حتى في مجتمع شديد الاتصال رقميًا.
الزراعة المنزلية تمنح نتيجة بطيئة لا يمكن تسريعها بزر
الاهتمام بالنباتات مثال جيد على نوع من الهوايات التي تتحدى إيقاع الإنترنت؛ النبتة لا تنمو فورًا لأنك تريد النتيجة، ولا يمكن تجاوز المراحل بميزة Speed. يجب السقي والانتظار ومراقبة الضوء والتربة والتعلم من الأخطاء. هذا البطء جزء من التجربة، وقد يكون جذابًا للشخص الذي يقضي يومه في بيئة تتوقع إجابات ونتائج فورية.
إضافة إلى ذلك، الهواية تربط الشخص بمساحة البيت نفسها بطريقة جديدة؛ ركن صغير يتحول إلى مشروع مستمر يتغير مع الوقت، ويمكن أن يكون النشاط بسيطًا جدًا دون الحاجة إلى حديقة كبيرة أو خبرة متخصصة.
المشي دون هدف رياضي صارم يمكن أن يكون هواية أيضًا
أحيانًا نقصر مفهوم الهواية على الأشياء التي ننتجها، لكن المشي واستكشاف الأحياء أو المسارات يمكن أن يؤدي الدور نفسه. عندما يكون الهدف ليس تسجيل رقم أو حرق سعرات فقط بل ملاحظة المكان والاستمتاع بالحركة، يصبح النشاط انفصالًا عن نمط الجلوس والتصفح ويعطي مساحة للأفكار دون تدفق محتوى مستمر.
قد يختار الشخص الاستماع إلى صوت أثناء المشي أو ترك الهاتف صامتًا، ولا توجد صيغة صحيحة واحدة. المهم أن الحركة نفسها أصبحت نشاطًا مقصودًا في وقت كان يمكن أن يقضيه الشخص جالسًا أمام الشاشة.
الهواية يمكن أن تكون مقاومة لفكرة تحويل كل شيء إلى مصدر دخل
في ثقافة الإنتاجية الحديثة يظهر أحيانًا ضغط لتحويل أي مهارة إلى "مشروع جانبي". إذا أحب شخص الرسم، يبدأ السؤال كيف يبيع اللوحات، وإذا أحب الطبخ يُسأل عن حساب تجاري، وإذا صنع شيئًا يدويًا تظهر فكرة المتجر. هذه الفرص قد تكون ممتازة لمن يريدها، لكنها ليست شرطًا حتى تكون الهواية ذات قيمة.
يمكن للإنسان أن يفعل شيئًا فقط لأنه يحبه من دون أن يقيس عدد المتابعين أو الإيراد أو الأداء. الحفاظ على مساحة لا تحتاج إلى أن تصبح مشروعًا قد يكون أحد الأسباب التي تجعل الهوايات التقليدية جذابة؛ هي مكان يستطيع الشخص أن يكون فيه مبتدئًا دون جمهور.
بطء التعلم جزء من المتعة وليس مشكلة يجب حلها
الأدوات الرقمية تجعلنا معتادين على الوصول إلى إجابة فورية، لكن تعلم آلة موسيقية أو رسم أو خياطة يحتاج إلى أخطاء وتكرار لفترة طويلة. الشخص لا يستطيع تحميل "مهارة" كاملة خلال ساعة، بل يبنيها تدريجيًا، وهذا يجعل التقدم الصغير مرئيًا ومهمًا. بعد شهر يستطيع تنفيذ شيء لم يكن يستطيع فعله قبل شهر، ومن هنا تأتي متعة الاستمرار.
هذه التجربة مختلفة عن كثير من المحتوى الرقمي الذي يعطي شعورًا سريعًا بالمعرفة من دون ممارسة، ولهذا يمكن للهواية أن تعيد العلاقة بين التعلم والعمل الفعلي؛ لا يكفي أن تشاهد فيديو عن الرسم حتى ترسم، بل يجب أن تمسك القلم وتجرّب.
التقنية نفسها تستطيع أن تساعد في العودة إلى الهواية
ليس من الضروري وضع الهوايات والتقنية في مواجهة كاملة؛ الإنترنت يمكن أن يكون وسيلة لاكتشاف الهواية وتعلم أساسياتها، ثم يتحول النشاط الحقيقي إلى مساحة أقل اعتمادًا على الشاشة. شخص يشاهد درسًا عن الخبز ثم يضع الهاتف جانبًا ويبدأ التنفيذ، أو يتعلم غرزة من فيديو ثم يقضي ساعة في تطبيقها، هو يستخدم التقنية كمدخل لا كبديل عن الفعل.
هذا الاستخدام المتوازن يوضح أن المشكلة ليست وجود الشاشة بحد ذاته، بل عندما تستهلك الوقت الذي كان يمكن أن يتحول إلى تجربة أو مهارة أو علاقة حقيقية. الأداة الرقمية يمكن أن تكون بوابة ممتازة للحياة خارجها.
كيف تختار هواية بدل أن تتحول العملية إلى مشروع بحث آخر؟
من السهل أن تقضي ساعات تشاهد مقاطع عن "أفضل الهوايات" دون أن تبدأ أي واحدة منها، ولذلك من المفيد تقليل الخيارات. اسأل ماذا كنت تستمتع بفعله في المدرسة أو الطفولة، وهل تميل إلى شيء يدوي أم حركي أم اجتماعي أم هادئ، ثم اختر تجربة منخفضة التكلفة لمدة أسبوعين أو شهر. لا تشترِ معدات احترافية قبل أن تعرف أنك تحب النشاط نفسه.
الهدف في البداية ليس العثور على "هواية العمر"، بل خلق وقت منتظم لشيء مختلف عن الروتين. إذا لم يعجبك النشاط، انتقل إلى غيره دون الشعور أنك فشلت؛ التجربة نفسها تساعدك على معرفة ما يناسبك.
لا تحتاج الهواية إلى ساعات طويلة حتى تكون موجودة في الحياة
من أكبر العوائق الاعتقاد أن الهواية تحتاج إلى مساء كامل أو التزام يومي. عشرون أو ثلاثون دقيقة مرتين أو ثلاثًا أسبوعيًا يمكن أن تكون بداية كافية، خصوصًا إذا كان الشخص يعمل أو يدرس. الاستمرارية الصغيرة أفضل من شراء معدات ووضع خطة ضخمة ثم التوقف بعد أسبوع.
يمكن ربط النشاط بوقت موجود أصلًا، مثل نصف ساعة بعد العشاء أو صباح نهاية الأسبوع، حتى لا يصبح إدخاله إلى اليوم معركة مستمرة مع الجدول. بمرور الوقت، إذا زادت المتعة يمكن أن يزيد الوقت بصورة طبيعية.
الهواية المشتركة تقوي فرصة الاستمرار
الانضمام إلى شخص أو مجموعة يجعل النشاط يحمل التزامًا اجتماعيًا إضافيًا. المشي مع صديق، نادي قراءة، جلسة ألعاب أسبوعية، أو ورشة حرفية تجعل الهواية موعدًا ينتظره الشخص وليس قرارًا جديدًا يجب اتخاذه كل مرة. كما أن المجتمع يساعد على التعلم وتبادل الخبرة ويقلل الشعور بالإحباط عندما يكون التقدم بطيئًا.
وفي السعودية توجد مساحات متزايدة للفعاليات الثقافية والترفيهية والرياضية والهوايات، وهو ما يجعل الدخول إلى نشاط جديد أسهل من الاكتفاء بالتعلم الفردي داخل البيت. الفكرة الأساسية هي البحث عن بيئة تشجع الاستمرار بدل الاعتماد على الحماس الأول فقط.
كيف تعرف أن الهواية أصبحت مفيدة لك؟
لا تحتاج إلى قياسها بالأرقام، لكن يمكنك ملاحظة ما يحدث قبلها وبعدها؛ هل تتطلع إلى وقتها؟ هل تساعدك على ترك الهاتف لفترة دون صراع؟ هل تشعر أنك تتقدم أو تستمتع حتى عندما لا تكون النتيجة مثالية؟ وهل أصبحت لديك قصة أو معرفة أو علاقة جديدة بسبب النشاط؟ إذا كانت الإجابات إيجابية، فهي تحقق دورها حتى إذا لم تنتج شيئًا يمكن عرضه على الآخرين.
الهواية الناجحة ليست التي تجعل الشخص "أفضل" وفق معيار خارجي، بل التي تمنحه مساحة يريد العودة إليها، وتضيف تنوعًا إلى يوم كان يمكن أن يكون محصورًا بين العمل والشاشة والنوم.
أسئلة شائعة
لماذا يعود الناس إلى الهوايات غير الرقمية؟
لأنها تقدم نوعًا مختلفًا من التركيز والإحساس بالإنجاز وتمنح وقت الفراغ نشاطًا مقصودًا بدل الاعتماد التلقائي على التصفح، خصوصًا مع ارتفاع كثافة الاستخدام الرقمي اليومية.
هل يجب أن أترك السوشيال حتى أمارس هواية؟
لا، المطلوب ليس استبدال عالم بآخر بالكامل؛ يمكن ببساطة تخصيص وقت للهواية واستخدام التقنية لتعلمها عند الحاجة دون أن تستهلك وقت الممارسة نفسه.
ما أفضل هواية للابتعاد عن الشاشة؟
لا توجد هواية واحدة مناسبة للجميع، والأفضل اختيار نشاط تستمتع به فعلًا ويستخدم اليد أو الحركة أو التفاعل المباشر بطريقة تختلف عن عملك اليومي.
هل القراءة الإلكترونية تعتبر هواية رقمية وبالتالي لا تحقق الفائدة؟
القراءة نفسها تظل نشاطًا عميقًا سواء على ورق أو شاشة، لكن الشخص الذي يتشتت من التطبيقات والإشعارات قد يجد الورق أسهل في خلق بيئة قراءة مركزة.
كيف أبدأ إذا كنت لا أعرف ما أحب؟
اختر ثلاث تجارب بسيطة ومنخفضة التكلفة، وجرب كل واحدة لفترة قصيرة دون شراء معدات كثيرة، ثم استمر في النشاط الذي تجد نفسك ترغب في العودة إليه دون إجبار.
الخلاصة
العودة إلى الهوايات القديمة ليست رفضًا للتقدم، بل رد فعل مفهوم في حياة أصبحت معظم تفاصيلها رقمية. النشاط اليدوي أو الحركي أو الاجتماعي يمنح الإنسان إيقاعًا مختلفًا، ونتيجة ملموسة أو تجربة مباشرة، ومساحة لا تعتمد على التحديث المستمر والمحتوى المقترح. أفضل توازن ليس في حذف التقنية، بل في ألا تكون هي الخيار الوحيد لكل وقت فراغ؛ وجود هواية محبوبة يجعل الابتعاد عن الشاشة نتيجة طبيعية للانشغال بشيء يستحق الانتباه.
CTA: اختر هذا الأسبوع نشاطًا كنت تحبه قديمًا أو ترغب في تجربته، وحدد له جلستين فقط مدة كل واحدة نصف ساعة. ضع الهاتف بعيدًا أثناء النشاط، وبعد أسبوع اسأل نفسك هل كنت تنتظر هذه الجلسة أم لا؛ إجابتك ستخبرك إن كانت الهواية تستحق مساحة أكبر في روتينك.
0 تعليقات